العيني

188

عمدة القاري

بيان لطائف إسناده فيه : التحديث بصيغة الإخبار بصورة الجمع في موضعين ، والعنعنة في ثلاثة مواضع . وفيه : أن رواته ما بين مروزي وكوفي ، وخالف إبراهيم بن طهمان أصحاب منصور ، فأدخل بين منصور وسعد الحكم بن عتيبة وانفرد الفريابي بإدخال الأعمش بين الثوري ومنصور . بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري هاهنا عن محمد بن مقاتل ، وأخرجه في الدعوات عن مسدد . وأخرجه مسلم في الدعاء عن عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم ، وعن ابن المثنى وعن بندار ، وأخرجه أبو داود في الأدب عن مسدد ، وعن محمد بن عبد الملك . وأخرجه الترمذي في الدعوات عن سفيان بن وكيع وأخرجه النسائي في اليوم والليلة عن بندار ، وعن محمد بن عبد الأعلى ، وعن محمد بن رافع ، وعن عمرو بن علي ، وعن قتيبة ، وعن محمد بن إسحاق الصغاني . بيان لغاته قوله : ( إذا أثبت مضجعك ) ، بفتح الجيم من ، ضجع من باب : منع يمنع ويروي : مضجعك أصله مضتجعك ، من باب الافتعال ، لكن قتل التاء طاء والمعنى : إذا أردت أن يأتي مضجعك فتوضأ كما في قوله تعالى : * ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ) * ( سورة النحل : 98 أي إذا أردت القراءة قوله : ( وجهت وجهي أليك ) أي : استسلمت ، كذا فسره ، وليس بوجه . والأوجه أن يفسر : أسلمت ذاتي إليك منقادة لك ، طالعة لحكمك ، لأن المراد من الوجه الذات . قوله : ( وفوضت ) من التفويض وهو التسليم : قوله : ( والجأت ظهري إليك ) أي : أسندت . يقال : لجأت إليه لجأ بالتحريك ، وملجأ والتجأت إليه بمعنى : والموضع أيضاً ، لجأ وملجأ وألجأته إلى الشيء اضطررته إليه ، والمعنى هنا ، توكلت عليك واعتمدتك في أمري كما يعتمد الإنسان بظهره إلى ما يسنده . قوله : ( رغبة ) أي : طمعاً في ثوابك . قوله : ( ورهبة ) أي : خوفاً من عقابك . قوله : ( لا ملجأ ) بالهمزة ويجوز التخفيف . قوله : ( ولا منجأ ) مقصور من : نجى ينجو ، والمنجأ مفعل منه ، ويجوز همزة للإزدواج قوله : ( على الفطرة ) أي : على دين الإسلام ، وقد تكون الفطرة بمعنى الخلقة ، كقوله تعالى : * ( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) * ( سورة الروم : 30 ) وبمعنى السنة كقوله صلى الله عليه وسلم : ( خمس من الفطرة ) وقا الطيني : أي : مت على الدين القويم ملة إبراهيم عليه السلام ، فإن إبراهيم عليه السلام أسلم واستسلم ، وقال : * ( ) * أسلمت لرب العالمين ( سورة البقرة : 131 ) * ( وجار ربه بقلب سليم ) * ( سورة الصافات : 84 ) . ذكر معانيه قوله : ( فتوضأ ) وقد روى الشيخان هذا الحديث من طرق عن البراء بن عازب ، وليس لها ذكر الوضوء ، إلاَّ في هذه الرواية ، وكذا قال الترمذي قوله : ( أسلمت وجهي إليك ) وجاء في رواية أخرى : ( أسلمت نفسي إليك ) والوجه والنفس هاهنا بمعنى الذات ، وقال ابن الجوزي : يحتمل أن يراد به الوجه حقيقة ، ويحتمل أن يراد به القصد ، فكأنه يقول : قصدتك في طلب سلامتي ، وقال القرطبي : قيل : معنى الوجه القصد والعمل الصالح ، وكذلك جاء في رواية : ( أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك ) . فجمع بينهما ، فدل على تغايرهما ، ومعنى : أسلمت : سلمت واستسلمت أي : سلمتها لك ، إذ لا قدرة لي ولا تدبير بجلب نفع ولا دفع ضر فأمرها مفوض إليك تفعل بها ما تريد واستسلمت لما تفعل فلا اعتراض عليك فيه . قوله : ( وفوضت أمري إليك ) أي : رددت أمري إليك ، وبرئت من الحول والقوة إلاَّ بك فاكفني همه ، وتولني سلاحه . وقال الطيبي رحمه الله في هذا النظم غرائب وعجائب لا يعرفها إلاَّ النقاد من أهل البيان : قوله : ( أسلمت نفسي ) إشارة إلى أن جوارحه منقادة لله تعالى في أوامره ونواهيه . وقوله : ( وجهت وجهي ) أي : إن ذاته وحقيقته له مخلصة بريئة من النفاق وقوله : ( وفوضت أمري إليك ) إشارة إلى أن أموره الخارجة والداخلة مفوضة إليه لا مدبر لها غيره ، وقوله : ( ألجأت أليك ) بعد قوله : ( وفوضت أمري ) إشارة إلى أن تفويضة أموره التي يفتقر إليها وبها معاشه وعليها مدار أمره يلتجأ إليه ، مما يضره ويؤذيه من الأسباب الداخلة والخارج ، قوله : ( آخر ما تكلم ) بحذف إحدى التائين ، وفي رواية الكشميهني : ( من آخر ما تكلم ) قوله : ( فردتها ) أي : رددت هذه الكلمات لأحفظن قوله : ( قال : لا ) أي : لا تقبل : ورسولك ، بل قل : ونبيك الذي أرسلت ، وذكروا في هذا أوجها منها : أنه أمره أن يجمع بين صفتيه وهما : الرسول والنبي ، صريحاً وإن كان وصف الرسالة يستلزم وصف النبوة . ومنها : أن ألفاظ الأذكار توقيفية في تعيين اللفظ وتقدير الثواب ، فربما كان في اللفظ زيادة تبيين ليس في